أسوار قصر البديع الشامخة من التراب المدكوك وقد أنهكها الزمن

حين يعبر الزوّار بوابات قصر البديع لأول مرة، يكاد السؤال يطرح نفسه: لماذا لا يكون أطمح بناءٍ ملكي في مراكش سوى قوقعةٍ خاوية؟ الأفنية شاسعة، والنسب مهيبةٌ بلا جدال، لكنّ الجدران ترابٌ مدكوك عارٍ، والأرض غبارٌ وعشبٌ عنيد، ولا أثر لذرّةٍ من الرخام أو طلاء الذهب الذي جعل هذا المكان يومًا أفخم قصور المغرب. وللجواب اسمٌ واحد: مولاي إسماعيل.

قصرٌ بُني ليُعلن مملكة

لم يكن البديع يومًا ليُقصد به التواضع. فأحمد المنصور، السلطان السعدي الذي أمر ببنائه عام 1578، كان قد أحرز لتوّه نصرًا باهرًا في معركة الملوك الثلاثة — معركةٌ قضى فيها ثلاثة ملوك وخرج منها المغرب قوةً إقليميةً جادّة، يفيض بذهب الفدية والمكانة الدولية. أراد المنصور قصرًا يليق باللحظة، وعلى مدى نحو 25 عامًا تدفّقت الموارد من شبكات تجارته: ذهبٌ حملته القوافل شمالًا من تمبكتو، ورخام كارارا المجلوب من إيطاليا، الذي يُروى أنّه بُودل وزنًا بوزنٍ بالسكّر المغربي. وكانت الحصيلة، يوم اكتملت، مجمّعًا من زهاء 360 غرفة تحيط بفناءٍ يمتدّ 135 مترًا في 110 أمتار، ببركةٍ عاكسة تناهز 90 مترًا وحدائق البرتقال الغائرة. وقد أخذ معاصروه بالدهشة عن حقّ؛ فاسم البديع، أي «الذي لا نظير له»، لم يأتِ من فراغ.

قرنٌ من المجد، ثم سلطانٌ بخططٍ أخرى

لم تُعمَّر الدولة السعدية التي أسّسها المنصور أطول كثيرًا من حكمه هو. فبحلول أواخر القرن السابع عشر كانت السلطة في المغرب قد آلت إلى الدولة العلوية، وكان لأبرز حكّامها، السلطان مولاي إسماعيل، تصوّرٌ مختلفٌ تمامًا لموضع عظمة المغرب. فمولاي إسماعيل، الذي حكم بين عامي 1672 و1727، قرّر نقل عاصمته من مراكش إلى مكناس، وأرادها مدينةً تُبنى على نطاقٍ ينافس — بل يفوق — كلّ ما خلّفه السعديون، والبديع في صميم ذلك.

وبدل أن يطلب موادّ جديدة بنفقةٍ جديدة، سلك مولاي إسماعيل الطريق الأنجع: أمر بتفكيك البديع. وعلى مدى عقدٍ تقريبًا، اقتُلعت أعمدة القصر الرخامية وعوارض سقوف الأرز والجصّ المذهّب والزليج المزخرف، وحُمّلت على العربات وسِيقت شمالًا إلى مكناس، حيث أُعيد تركيبها في قصور إسماعيل وأبوابه الضخمة. إنّه ضربٌ غريب من التكريم — فأبهى لمسات مكناس المعمارية، في غير موضع، معادٌ تدويرها حرفيًا من أطلال البديع.

لماذا أراد السلطان زوال البديع بالذات

يقرأ المؤرّخون هذا عادةً على أنّه أبعد من مجرّد اقتصادٍ في النفقة. فالبديع كان صرحًا سعديًا، وظلّت ضخامته وجماله تذكيرًا ماديًا بالدولة التي أزاحتها دولة مولاي إسماعيل نفسها. لم يكن تجريده سعيًا إلى موادّ بناءٍ مجانية فحسب؛ بل كان أيضًا فعلًا متعمّدًا لمحو إرثٍ منافس، ونقل مجده — لبنةً لبنة بالمعنى الحرفي — إلى عاصمةٍ جديدة تُبنى باسم الأسرة الحاكمة الجديدة. وثمّة تقليدٌ عريق في التاريخ المغربي والإسلامي الأوسع، يعيد فيه الحكّام توظيف آثار من سبقهم، ومعاملة مولاي إسماعيل للبديع من أشدّ أمثلته اكتمالًا.

ما خلّفه الهدم وراءه

والمدهش هو ما لم يُؤخذ، أو ما تعذّر أخذه. فأسوار القصر الهائلة من التراب المدكوك كانت بنيويةً لا زخرفية، أشدّ التحامًا وأثقل من أن يستحقّ نقلها، فبقيت قائمة، وكتلتها المائلة إلى حمرة المغرة تتآكل ببطءٍ تحت شمس مراكش على مدى ثلاثة قرون. وفي ركنٍ من المجمّع، ظلّ جناحٌ يؤوي قطعةً لا تُقدَّر بثمن، أبقاها رجال مولاي إسماعيل في مكانها على ما يبدو: منبر الكتبية من القرن الثاني عشر، تحفة النحت الخشبي القرطبي، الذي يُعدّ بقاؤه داخل قصرٍ أُفرغ من كل شيءٍ سواه واحدةً من أغرب مصادفات تاريخ البديع.

زيارة الأطلال اليوم

حين تجول في البديع الآن، يعينك أن تتخيّله بالمقلوب: بدل أن تتصوّر زخرفةً غائبة، تصوّر الحجم الهائل من المواد التي وجب نقلها فعليًا حتى يبقى هذا القدر من الفراغ. فاتّساع الفناء، الذي ما زالت تؤطّره الجدران الأصلية، يمنحك إحساسًا بضخامة المشروع الأصلي — والهدم اللاحق أيضًا. تعشّش اللقالق البيضاء اليوم على الأسوار حيث كان الحرّاس يرقبون، ويمنحك السطح إطلالةً نحو جبال الأطلس يُرجَّح أنّ معماريّي المنصور صمّموها لتُرى من هذا المرصد بالذات.

خواء البديع، بعبارةٍ أخرى، ليس ثغرةً في الحكاية. إنّه الحكاية نفسها: قصرٌ بُني ليُعلن قوّة مملكة، ثم فُكّك ليُعلن قوّة مملكةٍ أخرى في مدينةٍ أخرى. وقلّةٌ من الأطلال في أيّ مكانٍ تجعل منطق تعاقب السلطة ماثلًا للعيان بهذا الوضوح.

أسئلة شائعة

متى جرّد مولاي إسماعيل قصر البديع؟ فكّك السلطان مولاي إسماعيل قصر البديع في العقود التي تلت عام 1672، بعد أن نقل عاصمة المغرب إلى مكناس، فحمل رخامه وعوارض أرزه وزليجه شمالًا على مدى عقدٍ تقريبًا ليبني قصوره الجديدة هناك.

لماذا لم ينقل مولاي إسماعيل جدران التراب المدكوك أيضًا؟ كانت جدران التراب المدكوك بنيويةً لا زخرفية — أثقل وأشدّ التحامًا بالبناء من أن يستحقّ نقلها، ولهذا ما زالت قائمةً اليوم بينما اختفت زخارف الداخل.

هل ما زال بالداخل شيءٌ أصلي؟ نعم — منبر الكتبية من القرن الثاني عشر، وهو منبرٌ خشبي منحوت من قرطبة، ما زال قائمًا في جناحٍ خاصٍّ به، وهو أهمّ قطعةٍ أصلية باقية في الموقع. وللاطّلاع على أوقات الزيارة الحالية وتذاكر قصر البديع، راجع صفحة التذاكر.